الشيخ محمد هادي معرفة

141

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ولد زنيّة ، وأنّه امتنع من ركوب سفينة نوح ، وأنّ الطوفان لم يصل إلى ركبتيه . وهذا كذب وافتراء ، فإنّ اللّه تعالى ذكر : أنّ نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين ، فقال : « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » « 1 » . وقال تعالى : « فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ » « 2 » . وقال تعالى : « لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ » « 3 » ، وإذا كان ابن نوح الكافر غرق ، فكيف يبقى عُوج بن عُنق ، وهو كافر ، وولد زنيّة ؟ ! هذا لا يسوغ في عقل ، ولا شرع ، ثمّ في وجود رجل يقال له : عوج بن عنق ، نظر ، واللّه أعلم « 4 » . وقال ابن قيّم الجوزيّة ، بعد أن ذكر حديث عُوج : « وليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث ، وكذب على اللّه ، وإنّما العجب ممّن يدخل هذا في كتب العلم من التفسير وغيره ، فكلّ ذلك من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء ، والسخريّة بالرسل وأتباعهم » . قال أبو شهبة : وسواء أكان عُوج بن عُوق شخصيّة وجدت حقيقة ، أو شخصيّة خياليّة ، فالذي ننكره هو : ما أضفوه عليه من صفات وما حاكوه حوله من أثواب الزور والكذب والتجرُّؤ ، على أن يفسّر كتاب اللّه بهذا الهراء . وليس في نصّ القرآن ما يشير إلى ما حكوه وذكروه ، ولو من بُعد ، أو وجه الاحتمال ، ثمّ أين زمن نوح من زمن موسى عليهماالسلام وما يدلّ عليه آية : « قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها » « 5 » كان في زمن موسى قطعا ، ولا مرية في هذا ، فهل طالت الحياة بعوج حتّى زمن موسى ؟ ! بل قالوا : إنّ موسى هو الذي قتله ، ألا لعن اللّه اليهود ، فكم من علم أفسدوا وكم من خرافات وأباطيل وضعوا « 6 » . قلت : وسامح اللّه أولئك الذين نقلوا هذه الأساطير ودبّجوها في مدوّناتهم ! ! * * *

--> ( 1 ) - . نوح 26 : 71 . ( 2 ) - . الشعراء 119 : 26 - 120 . ( 3 ) - . هود 43 : 11 . ( 4 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 2 ، ص 38 . ( 5 ) - . المائدة 22 : 5 . ( 6 ) - . الإسرائيليّات والموضوعات ، ص 187 .